الشيخ الكليني

356

الكافي

ولست بحمد الله كذلك ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه ( 1 ) عن تناول ما هو أحق به من العظمة والكبرياء وربما استحلى الناس ( 2 ) الثناء بعد البلاء ، فلا تثنوا علي بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله وإليكم ( 3 ) من البقية في حقوق لم أفرغ من أدائها وفرائض لا بد من إمضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة ( 4 ) ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي لما لا يصلح لي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عني مقالة بحق أو مشورة بعدل ، فإني لست في نفسي بفوق ما أن أخطئ ولا آمن ذلك من فعلي ( 5 ) إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك به مني ، فإنما أنا وأنتم عبيد مملوكون

--> ( 1 ) أي تواضعا له تعالى وفي بعض النسخ القديمة [ ولو كنت أحب أن يقال ذلك لتناهيت له أغنانا الله وإياكم عن تناول ما هو أحق به من التعاظم وحسن الثناء ] والتناهي : قبول النهي والضمير في " له " راجع إلى الله تعالى وفي النهج كما في النسخ المشهورة . ( آت ) ( 2 ) يقال : استحلاه أي وجده حلوا قال ابن ميثم رحمه الله : هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن اثنى عليه ، فكأنه يقول : وأنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في الله وأحث الناس على ذلك ومن عادة الناس أن يستهل الثناء عند من يبلو بلاءا حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات ثم أجاب ان هذا العذر في نفسه بقوله : " ولا تثنوا علي بجميل ثناء " اي لا تثنوا علي لأجل ما ترونه مني من طاعة الله فان ذلك إنما هو اخراج لنفسي إلى الله من حقوقه الباقية علي لم افرغ بعد من أدائها وهي حقوق نعمه وفرائضه التي لا بد من المضي فيها وكذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها الله علي من النصيحة في الدين والارشاد إلى الطريق الأفضل والتعليم لكيفية سلوكه . ( 3 ) اي لاعترافي بين يدي الله وبمحضر منكم ، ان علي حقوقا في ايالتكم ورياستي عليكم لم أقم بها بعد وأرجو من الله القيام بها وفي بعض النسخ [ من التقية ] يعني من أن يتقوني في مطالبة حقوق لكم لم افرغ من أدائها وعلى هذا يكون المراد بمستحلى الثناء الذين يثنيهم الناس اتقاء شرهم وخوفا من بأسهم . ( في ) ( 4 ) أهل البادرة الملوك والسلاطين . والبادرة : الحدة والكلام الذي يسبق من الانسان في الغضب اي لا تثنوا علي كما يثنى على أهل الحدة من الملوك خوفا من سطوتهم أو لا تحتشموا مني كما يحتشم من السلاطين والامراء كترك المسارة والحديث اجلالا وخوفا منهم وترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور والقيام بين أيديهم . ( آت ) والمصانعة : الرشوة والمداراة . ( 5 ) هذا من قبيل هضم النفس ، ليس بنفي العصمة مع أن الاستثناء يكفينا مؤونة ذلك . ( في ) وقال المجلسي - رحمه الله - هذا من الانقطاع إلى الله والتواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحق وعد نفسه من المقصرين في مقام العبودية والاقرار بأن عصمته من نعمه تعالى عليه .